تغيير القوى، بديل المساعدات في العطاء المجتمعي

بقلم عايشة منصور، ترجمة أحلام سمارة

على الرغمْ من أنَني جَديدة في عالم العطاء العالمي، إلا أنه منذُ ما يقارب العشرة أعوام، وأنا أنادي إلى التغيير في نظام المساعدات الدولية، فبعدَ أن عشتُ في واحدة من البلدان التي تتلقى مساعدات دولية تشكل أعلى حصة للفرد من أي بلد آخر، قدرتْ الضرر الذي من الممكن أن تجنيه المساعدات الرسمية على البلدة وعلى مُجتمعها.

أكثر من عشرين عاماً على المساعدات الدولية التي تُلقى تجاه فلسطين، شهدنا خلالها الفقاعة الاقتصادية المشوهة، مع اتساع الفجوة الطبقية بين طبقة الفقراء الأكبر حجماً، وطبقة الأغنياء الأقل حجماً، بالإضافة إلى التقلص الطارئ في قدرة المجتمع المحلي على تعبئة موارده المحيطة به؛ لتحقيق تنميته التي يُريدها، وهو ينتظر صدقة أو مشروع جديد، التي غالباً ما تكون صدقات ومشاريع توفر إسعافات أولية دون معالجة للقضايا الجوهرية وأولويات المجتمع المحلي.

قبل أيام، كنت في مؤتمر القمة في جوهانسبرغ، للنقاش حول موضوع تغيير القوى، وأن تصبح القوة في أيدي المجتمع، تناولت القمة مواضيع مختلفة أهمها تعزيز العطاء المجتمعي، إشراك المجتمع في اتخاذ القرارات، والحد من الاعتماد على التمويل الخارجي، حيث أن معظم المشاركين هناك يتفقوا حول الحاجة الماسة لوجود بدائل مُتعددة لضمان تحقيق تنمية صامدة في بلادنا.

إن العطاء المجتمعي هو البديل المتاح، الذي يعني أن كل فرد من أفراد المجتمع هو المانح، ففي هذا النموذج، لا يوجد مانحين ومُستفيدين، وإنما مجتمع واحد مع موارد مختلفة، مُجتمع يؤمن حقاّ في هذا البناء من فاعليين ومهنيين، نقوم بتعبئة مواردنا لدعم أولوياتنا، وإلا لماذا نقضي وقتاً ثميناً في القمة لمناقشة كيفية التأثير وتغيير نظام المساعدات الدولية، هل نعتقد حقاً أن الفاعلين من المانحين من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إلى وزارة التنمية الدولية البريطانية، ستُغير من عملها وتساهم في مواردها لمجتمعات السكان الأصليين على أرض الواقع؟ هل يعقل لبيروقراطي في واشنطن أن يدير مجموعة من التبرعات لتوزيعها على المجتمعات المحلية في جميع أنحاء العالم؟!

من هنا أرى أننا بحاجة إلى تركيز جهودنا على خلق بديل، وتطوير نظام العطاء المجتمعي لدينا، الذي من الممكن أن يتحقق من خلال عدة أمور، منها: -

 

  1. توضيح مفهوم العطاء المجتمعي، إن مفهوم العطاء المجتمعي لايزال مُبهم على نحو واسع، جهودنا يجب أن تتركز على تحديد موحد لمعنى العطاء المجتمعي، فالعطاء المجتمعي يمكن أن يعني أشياء كثيرة في سياقات مختلفة. ووجود معنى واضح سيسهل التواصل وسيزيد إشراك عائلاتنا ممن هم خارج البلاد مع المجتمع المحلي، كون كثير ممن في الخارج لديهم أفكار مُغايرة الذي من شأنه تشتيت عملية التنمية فيما بيننا.

  2. قياس القيمة الحقيقية، موارد مجتمعنا هائلة نسبياً، وما ينقصنا هو القدرة على تثمين هذه الموارد من حولنا، سواء موارد مالية أو عينية، أما التركيز على الموارد المالية فقط من شأنه أن يقوض القيمة الحقيقية لعطاء المجتمع. في حديث للسفير جيمس جوزيف في المؤتمر ذكر، أننا نضع الكثير من التركيز على الموارد المالية، في حين أنه يجب التركيز أكثر على الموارد غير المالية.
    إن موارد المجتمع مشتركة كفيلة بأن تحقق تنمية صامدة، لذا يجب علينا تثمين ما نملكه من موارد من حولنا بصورة أفضل، فعندما نكون قادرين على قياس عطاء المجتمع، سنعلم بالتأكيد أنه لا يوجد شيء صغير في قيمة ما نقوم به، كما يضمن التأثير الإيجابي في مجتمعاتنا.

  1. تطوير آلية لمنطقة عالم الجنوب: هناك الكثير من التركيز للحصول على الموارد المالية من دول عالم الشمال، لكنني غير متأكدة من قدرة أو استعداد الممولين من دول عالم الشمال، إلى المساهمة نحو تحقيق التنمية التي يقودها المجتمع، حيث نحنُ من نضع جدول أعمالنا، لا هُم.

فهل الجهات المانحة للمساعدات الضخمة على استعداد لتغيير القوى؟ بما أن الموارد التي نملكها كافية في بلادنا، ما يؤكده العديد من المشاركين، وما نحتاجه فقط تطوير آلية لتحسين تعبئة هذه الموارد لخدمة أولوياتنا.

ما ميز مؤتمر القمة العالمية أنه قدم ما نحتاج إليه فعلاً من فاعلين في العطاء المجتمعي، لذا من الأهمية بمكان الاستمرار في مثل هذه النقاشات، وأن نكون أكثر إبداعاً وتعاون لتطوير حلول مبتكرة، بدلاً من التركيز على المساعدات التي تسببت في الكثير من الضرر لبلادنا، ربما في اجتماع مستقبلي، يمكن للمشاركين التركيز على خلق مثل هذه الآلية حيث نتمكن من خلالها توسيع نطاق العطاء المجتمعي في جميع أنحاء عالم الجنوب، وضمان آليات قوية لتعبئة وتوزيع الموارد وفقاً لحاجة مُجتمعاتنا.