العونة ماقبل الإقتصاد النيوليبرالي

Dalia Awneh

 
مُنذ زمنٍ ليس بعيد كان جدي يَعمل في تربية الأغنام من أجل لقمة العيش، في حينها لم يكن جدي يملك الكثير من المال، لكن تربية الأغنام كانت كفيلة بأن توفر للعائلة منزلا صغيرا متواضعا، وطعاما صحيا طوال العام. كُنا نشتري فقط ما لايمكن لنا إنتاجه، ونبيع فائض ما لا تحتاجه العائلة كالعنب والحليب واللبن والكشك من الأغنام. الكثير من العائلات التي لم يكن لديها موارد آنذاك لم تكن تضطر للدفع.
 
كان جدي دائما يقول لجدتي: "ماتوخدي مصاري من هديك العيلة".

كانت تلك الأيام عندما كنا نملك العونة، والمتمثلة بالمساعدات والدعم من المجتمع المحلي، جميعنا على يقين بأن عائلتنا، جيراننا، والمجتمع بأكمله تتوفر له إحتياجاته، سواء قادرين على ذلك أم لا.
سألت بعض أصدقائي مرة ماذا تعني لهم العونة، فأجابني أحدهم بأن العونة هي عندما لايكون أحد من أفراد المجتمع يجلس مرتاحاً في بيته، مادام فرد آخر من المجتمع لم ينه عمله بعد في قطف ثمار أشجار الزيتون. وأضاف لي صديق آخر بأن العونة هي مساعدة كل منا للآخر، فعندما يحتاج أحدنا منزل لإيواء عائلته كان المجتمع بأكمله يبنيه معه. وفي الجوهر فإن العونة هي الإقتصاد المحلي في أبهى صورة، حيث إستخدام الموارد الوطنية المحلية لتحقيق الهدف المراد.

بعد أوسلو، أصبحنا مُندمِجين في الإقتصاد العالمي النيوليبرالي، كُل مِنا يتوقع ويأمل في أن يكون لديه وظيفة مكتبية بدوام كامل، وراتب شهري نراه وسيلة لشراء إحتياجاتنا من منزل وسيارة ومأكل وملبس. هذا إلى جانب تسارع البنوك لتقديم القروض لشراء إحتياجات وكماليات ليس بمقدرونا تَحمُلها. المجتمع بأكملة يمضي في فعل الشيء ذاته، الذهاب للعمل لتحصيل راتب وشراء الإحتياجات والكماليات.

أخذت العونة بالإختفاء والإضمحلال في ظل سيطرة بنية الإقتصاد النيوليبرالي، وتفككت البنية الإجتماعية والبيئية المتماسكة، لتحل مكانها مباني سكنية  شاهقة (من خمس طبقات في معظم الأحيان). مع سيارات تجنح في شوارع مُعبدة، حيث الجيران لا يعرفون أسماء بعضهم البعض، ولا يتفقدون إذا كان أحدهم يحتاج إلى المعونة. هذه هي التنمية، كما يدعي البعض.

أنت تعيش لوحدك، بينما أولئك الذين لم يتمكنوا من الحصول على وظيفة وراتب عليهم أن يتسولوا في الشوارع، أو اللجوء إلى وزارة الشؤون الإجتماعية؛ للحصول على "750" شيكلا كل ثلاثة شهور، وهي المساعدة التي تُقدم للأسر الأكثر فقراً.

بعد أكثر من عشرين عاماً على أوسلو، وضخ المساعدات الدولية على فلسطين، تناسى معظمنا وجود ثروة من الموارد الغنية في مجتمعاتنا وأمام أعيننا.

 

 
في اليونان، تطلب الأمر حدوث إنكماش إقتصادي كبير لتذكير الشعب اليوناني في ثروتهم الوطنية. فأظهرت نشرات الأخبار التي شاهدتها كيف كانت مجموعة من اليونانيين تلتقي اسبوعيا لتبادل الموارد، ولضمان العونة في الأوقات الإقتصادية الصعبة. كما أذكر ان سيدة إعتادت فقط على العمل في وظيفة مكتبية، أصبحت الآن تعمل في جلب الأعشاب البرية لبيعها في التجمعات الأسبوعية.

لكن يبقى السؤال الذي يراودني كم من الوقت نحتاج نحن، لنتمكن من العودة إلى مواردنا الوطنية، وإلى الإقتصاد الأصلي، للعونة؟

 
يتلقي الفلسطينيون داخل الأراضي المحتلة مساعدات دولية تشكل أعلى حصة للفرد الواحد من أي بلد آخر. بعد أكثر من عشرين عاما على أوسلو، وضخ المساعدات الدولية على فلسطين، تناسى معظمنا وجود ثروة من الموارد الحقيقية في مجتمعنا. "العونة" كنظام تقليدي وغير رسمي للمساعدات لكافة مستويات المجتمع المحلي، إنخفضت كنتيجة لذلك.

 

إنضممت للعمل في مؤسسة دالية، أول مؤسسة مُجتمعية فلسطينية، تحاول تذكيرنا بثرواتنا الوطنية، في الوقت الذي  يمتلك فيه بعض أفراد المجتمع  ثروة مالية، فإن البعض الآخر لديه ثروة من نوع آخر، ثروة معرفية، ووفرة من مهارات متنوعة، تُشكل مُجتمعة موارد مجتمعية قيمة. عندما ندرك ما لدينا من موارد ووفرة نقدية وعينية ومعرفية ومهارات، حينها نمتلك العونة.

إن العبر التي نتعلمها من برنامج صندوق "القرية من تقرر" والذي تنفذه مؤسسة دالية، على سبيل المثال، يدل على أننا قادرين على إدراك  وإستثمار مواردنا بأنفسنا.
يعمل صندوق القرية مُباشرة مع المجتمعات المحلية لإدراك وتحديد ثرواتهم. في إحدى القرى، قام أهالي القرية بتطوير مكان عام، وبينما تطلب الإصلاح إستثمار نقدي، تمكن أهل القرية من إدراك وإستثمار ما لديهم من مهارات حِرَفيّها ووقتهم.

قرية أخرى عملت على تطوير وسيلة مواصلات عامة داخلية لها، عن طريق تبرعات قدمها أبناء القرية أنفسهم، إضافة إلى خبرات ومهارات إجتمعت من قبل متطوعين القرية لصيانة وتشغيل الحافلة، عائد الدخل من رسوم الحافلة يعود إلى صندوق القرية لتنفيذ مشاريع وإحتياجات مُستقبلية في القرية.
 

 

Al awneh العونة


إن النظام الإقتصادي الحالي لا يُثمن مواردنا، فنحن نعيش في فقاعة من الحقن المتكررة للمساعدات الدولية، وعندما نكون "غير مطيعين"، تتوقف هذه الحقن، ونتسائل بذعر ماذا سيحل بنا دون رواتبنا؟ وننسى أننا نعيش في بلاد مُباركة، حيث لايشعر أحد فيها بالجوع، وأن لدينا من إمكانيات وموارد كافية لأن تحل مكان المساعدات الدولية. فعندما نكون بحاجة حقيقية للمساعدات تظهر لنا العونة مرة أخرى، على أتم الإستعداد لتوفير الطعام، الكساء، والمأوى لأي شخص في حاجة إليها.

كتابة: عايشة منصور

ترجمة: أحلام سمارة                                                                          تدقيق: بسمة ابو صوي

 


الصور في المقالة تصوير فريد طعم الله، تُظهر العونة وقطف الزيتون في قرية قيرة.