لأن العطاء المجتمعي هو كنزنا الوطني

همة شباب طمرة

همة شباب طمرة

لطمرة، الواقعة على سفوح احد جبال الجليل الاسفل، الذي لم اعرف له يوما اسما غير "الصنيبعة" كما يسميه اهل البلد، تاريخ طويل، البعض يقول انه يمتد الى ما قبل 4 الاف سنة من حقبة بيزنطية ما، والبعض يرجح الامر الى الفترة التي تظهرها السجلات العثمانية في بداية القرن التاسع عشر، اما انا فلا اعرفها الا منذ ولادتي، لكني ارتبطت بها كأنما تكوّنتا سوية -هي وروحي- منذ بدأ التكوين الاول للكون، حتى تُوّج الترابط يوم ولادتي!

ولماذا هذه المقدمة التاريخية؟ لا لشيء، الا لاني سأشرح قليلا عما كانت عليه البلد، ولما وصل اليه حالها ولماذا ولّد "المنتدى الشبابي الطمراوي". ولأني لا اعرف ان كنت تعرفونها اصلا ام لا فلا بد لي من تقديمها.

طمرة هي مدينة جليلية تقع في الجليل الاسفل الغربي من قضاء عكا، يبلغ عدد سكانها اليوم ما يقارب ال 33 الف نسمة وهي عربية 100% ، لم تُهجر طمرة عام النكبه ولم تغادر القرية وقتها الا بضع عائلات اتجهت نحو جنوب لبنان، واما البلدة نفسها فقد كانت ملجأ للعديد ممن هجروا من قراهم واستقروا بها الى اليوم مثل قريتي الدامون والرويس المجاورتان لها وقريتي ميعار والحدثة وغيرهن، وما عرف عن "طمرة" وقت النكبه هو ان اهل البلد قد فتحوا بيوتهم للاجئين واستقبلوهم استقبال الاخ لاخيه وحضنوهم حتى يومنا هذا كابناء بلدة واحدة، فلا فرق بين "ابن بلد" أو لاجيء، الى يومنا!

وما يهمنا هنا من كل هذا التاريخ، هو ما يتصل الى زماننا، أي شرح للبيئة الاجتماعية في المدينة (التي كانت سابقا قرية)، فان لجوء عدد كبير من ابناء القرى المجاورة لطمرة ادى الى ارتفاع الكثافة السكانية بنسبة تصل الى الضعف من العام 1948 حتى عام 1955 الامر الذي تم في ظل مصادرة اراضي كما كان الحال (وبقي) في باقي المدن والقرى العربية في الداخل المحتل، ما يعني ان الكثافة السكانية كانت تزداد في حين ان مساحة الاراضي كانت تتقلص!

ومنذ قيام دولة اسرائيل على انقاضنا، كانت السياسة واضحة "تحويل العرب في دولة اسرائيل الى سقاة ماء ورعاة غنم"، فليس خفيا على احد ما يعانيه "المواطنون" العرب في دولة اسرائيل من عنصرية وتضييق وحتى تغييب وتجهيل مبرمج لهم كأقلية صاحبة بلاد وارض، وان كنا سنأخذ كل هذه العوامل بالحسبان اضافة لما ذكر من اكتظاظ سكاني وبطالة واوضاع اقتصادية صعبة، يجعل من أي بيئة تجتمع فيها كل هذه الظروف بيئة خصبة لانتشار العنف والمخدرات والاسلحة ... والخ من المظاهر الاجتماعية السلبية، التي تقود بالمجتمع (مهما كان متحضرا) الى منحدر الرجعية والتخلف، فأنت لو كنت ستسأل عن طمرة قبل عقد من الزمن كانوا سيحكون لك عن كرم اهلها وطيب خواطرهم وسمو اخلاقهم، في حين انك لو سألت عنها الان وما آلت اليه حالها، لشرحوا لك ما عرفت به مؤخرا من عنف وجريمة.

هذا ما حدث تقريبا في طمرة، فان سياسة اكثر من 60 عام من التجهيل والعنصرية تركت اثرا عظيما على الناس، حيث انه بالاضافة للعنف والبطالة والمخدرات والاسلحة التي انتشرت (خاصة في السنوات الاخيرة) تزايدت في طمرة (التي لم يُفرق يوما اهلها بين لاجيء وابن بلد ولا بين ابن عائلة واخرى) مشكلة التعصب العائلي التي كانت تجعل من أي مشادة كلامية بين جارين مشكلة عائلية تصل الى حد القتل في عدة حوادث، عدا عن مجموعة حوادث اطلاق نار في وضح النهار وسطو وسرقات، دون رقيب يحمي السكان او يمنع هذه الظواهر، فحقيقة الامر هي كما يرّ العديد من المحللين؛ ان الشرطة تعلم تمام المعرفة من يقوم مثلا بتوزيع المخدرات او المتاجرة بها وكذلك الامر بالنسبة للاسلحة، الا انها تغض الطرف عنه وتقوم بحملة "اسقاط واجب" بين فنية واخرى كرحلتي التجارة التي كانت تقوم بهما قريش صيفا وشتاءا، أما القانون فنحن أصلًا نعيش في ظلّه، في دولةٍ قامت على انقاضنا وسلبت من شعبنا ثرواته وأراضيه ثم تصدقت على من بقي بفتات حقوق. كان اخر ما شهدته البلدة من حالات عنف مأساوية هي مقتل شاب على يد اخر قبل ما يقارب السنة انتقاما لمقتل شاب خلال مشاجرة عائلية قبل الحادثة اياها بسنة (ولا ذنب لاي منهما الا ان كل واحد فيهما يحمل اسم عائلة ما) شهدت طمرة خلال تلك الفترة "حربا" ضروس ربما شابهت حرب البسوس بين بكر وتغلب!

هناك بدأنا نحن، مجموعة شبابية رفضت الواقع "المفروض" على البلد، وقررنا بعزمنا ان "نفرض" واقعا اخر، واقعا يجعلنا نفخر ببلدنا، بمجتمعنا، بأهلنا وبأنفسنا، ويعيد لبلدنا السمعة الطيبة التي لطالما عُرفت بها، فكان منا ان خرجنا اولا محتجين ضد العنف، ضد ما وصلت اليه حالنا وما رضينا به لانفسنا، وقمنا بترتيب وقفة احتجاجية قارب عدد المشاركون فيها الالف من سكان المدينة تعددت انتماؤتهم العائلية والعمرية والاجتماعية، كانت احتجاجا لمقتل شاب في مستهل العمر، ثم بعد الوقفة باسبوع اتجهنا في مجموعة شبابية من المئات من شباب وشابات طمرة بمسيرة شموع ومشاعل الى منزل والد الفقيد الذي قتل انتقاما لمقتل الشاب في محاولة لتهدئة النفوس، والحق يقال اننا قد نجحنا، ولو لم تتوقف الاعتداءات، الا ان تدخلنا لتهدئة نفوس اهل الفقيد ايقظهم ليروا ان شباب البلد لن يسكت عن جريمة اخرى، ما ساهم بوقف مسلسل القتل، حتى اسفرت في النهاية عن مصالحة بين العائلتين!

 

لكننا وبعد ان طفح الكيل بنا، قمنا بدراسة الوضع، ما الذي اوصلنا لان يصير الدم عندنا ماء؟ هل يرخص دم احدنا لمجرد اسم عائلة يحمله؟ لا، اذ ان العائلات متصلة احداها بالاخرى اتصالا لا يستهان به، حيث ان كل عائلة واخرى تربطها صلة قرابة ونسب وشبكة واسعة تجمع الجميع، اذا ما الذي حدث؟ كيف تصير "طمرة" جحرا للجريمة والخراب؟ هو كل ما ذكرناه سابقا عن البيئة الخصبة لانتشار العنف والمظاهر الاجتماعية السلبية الاخرى، ولاننا بشر، فان تحملنا للظلم محدود المدى، ولا بد للشحن السلبي ان يتفرغ بطريقة او باخرى، هذا هو الحال في جميع المجتمعات الانسانية على مر العصور!

 

من هنا بدأنا، واما الفكرة فكان ان نكون مجموعة شبابية طمراوية مستقلة غير محزبة، إنتماؤها الوحيد هو لمجتمعها العربي الفلسطيني داخل الخط الاخضر وخارجه، وبلدتها الجليلية طمرة. حيث وضعنا نصب أعيننا رفع الوعي الإجتماعي والسّياسي والثقافي في بلدنا، لسنا تبعًا لهذا المجتمع الغريب الذي استوطن البلاد، نحن جزء لا يتجزأ عن مجتمع فلسطيني عريق يتميز بحضارة غنيّة اصيلة، ثقافةٌ العطاء من أصلها، علمتنا أن نعطي من أنفسنا للمجتمع لنجعل منه المكان الذي نريد لابناءنا ان يكبروا فيه، ونأخذ زمام الأمور كشباب فلسطيني واعي، وحيثما وجدت الحاجة، وجدنا لنساعد، من هنا كنا نعطي من انفسنا ونستعين على ما يوجد لدنيا من مواهب وقدرات فردية وجماعية لا مادية فقط، ولو وجدت الحاجة لتمويل ما لكنا اول من نعطي من مالنا لندعم تقدم بلدنا وإعادة تأهيلها.

 

ان عملنا، سواء الاجتماعي او السياسي او الثقافي، يتلخص مجملا في رفع الوعي واحياء ما حاولت المؤسسة الاسرائيلية طمسه فينا من قيم مختلفة كالتطوع او الانتماء للارض والشعب وحتى الاخوة والتلاحم وتقبل الاخر، فمن تكويننا كمجموعة تضم شباب وشابات، حتى كوننا نجمع بين كل الفئات في المجتمع الطمراوي والطبقات الاجتماعية والعائلات المختلفة، الى ان ترانا نحمل اراءا سياسية مختلفة تجمعنا جميعا مهما اختلفنا على طريق الوحدة.

ومن هنا ننطلق لنأخذ ادوارا مهمة في العديد من المشاريع في البلد، منها: مهرجان الطفل والعائلة السنوي الذي كنا أحد المنظمين الأساسيين له هذه السنة، ومسيرة الدراجات الثانية ضد العنف، ومخيم التطوع الدولي الذي زار مدينتا فعملنا جاهدين لنقل رسالته إلى أهالي البلد، حتى فعاليات وامسيات رمضانية شبابية ادبية وثقافية والمساعدة في تنظيم المسيرة الكشفية ليلة العيد واضاءة سماء المدينة بالمناطيد للسنة الثانية على التوالي (الفعالية التي تبنتها السنة مدن اخرى مثل سخنين وباقة الغربية). 

 

ولأننا قررنا أن نكون التغيير الذي نريده في مجتمعنا الطمراوي وتأكيدًا على إنتمائنا لشعبنا الفلسطيني، بدأنا بالمبادرة، فكنا أول من خرج للتضامن مع الأسرى وعامة ابناء شعبنا المناضل، وإحياء المناسبات الوطنية المختلفة في بلدتنا واستنكار كل محاولات الاعتداء على ابناء شعبنا ومقدساته. واخذ دور فعال بكل ما يخص رفع الوعي الثقافي والسياسي عن طريق إدارة نقاشات فكرية، ثقافية وسياسية بوجهة نظر شبابية.

أما القادم، فمستقبل مثمر، مستقبل لا يحمل في طياته الا كل خير، وان تخللته الصعاب لا بد ان نكلله بالنجاح، فها نحن نرسم مستقبلا لو اجتهدنا سنحصل عليه، عن طريق اقامة الامسيات الثقافية والمحاضرات المختلفة من اجل رفع الوعي السياسي والاجتماعي الى تفعيل دورات ثقافية تحيي المواهب المدفونة مثل العزف على العود والدبكة وغيرهن مما عُرف به شعبنا من فن عريق واصيل، وصولا الى العمل مع مجموعات تطوعية مع الاطفال سواء دراسيا او اجتماعيا. طريقنا لا زالت طويلة، والعهد الذي قطعناه على أنفسنا لا بد أن نفي به، أليس وعد الحرّ ديّن؟

وهنا يكمن عطاء المنتدى الشبابي الطمراوي !!!