لأن العطاء المجتمعي هو كنزنا الوطني

"دُكَّانْ"

"دُكَّانْ"

"دُكَّانْ"

في مساء يوم السادس عشر من آب، 2016، افتتحت مؤسسة دالية المُجتمعية في مدينة رام الله، "دكّان". دكّان بِشعاره الذي حَملَ غُصنُ داليةٍ من العنبْ، تلك الدالية التي تمنحُكَ عناقيدها، عند اعتنائك بها، فَتُعرِشُ بظلالها على الجميع.

أذكر يومها كيف كان المكان يَعبقْ برائحة العنب جديد النُضج، وأصوات الزائرين هناك تَشدك إلى كل ركن فيه، إلى الأغراض التي مَنحها فلسطينيون من كافة الفئات، بعضها مُستخدمة في حالة جيدة، وأخرى جديدة، فترى كتب بعناوين ومواضيع متنوعة، أواني وحُلي عديدة. شَدني يومها جونة مُزركشة بقش مُلون بألوان خريفية، وصنية منسوجة من قش القمح، فمازالت العديد من النساء حتى وقتنا هذا تستخدمها لتزيين المنزل، أو لوضع الطعام.

 كان هناك أيضاً أدوات كهربائية، ألعاب للأطفال، ملبوسات وإكسسوارات، وأمور أخرى تُباع بأسعار زهيدة، ليستفيد منها آخرون، والجميل أن عائد الدخل هو للمجتمع نفسه، من خلال برامج تُنفذها مؤسسة دالية مع المجتمع.

فكرة دكّان ليست مُنتشرة في فلسطين في هذا الوقت، لكنها تجسد نظام العونة القديم، نظام الإستثمار في الموارد الغنية التي يَملكها المجتمع الفلسطيني، فيتبادلونها معاً أو يتشاركون بها، وهو نظام بدأ يندثر بعد سنوات من المساعدات التي جاءت للشعب الفلسطيني، خاصة المساعدات المشروطة التي لا تتلائم وأولويات المجتمع، أو حتى تتوافق مع التركيبة الإجتماعية والثقافية فيه، مما أدى إلى تقويض التنمية، إلى جانب زيادة الإعتمادية على الدول المانحة.

قبل افتتاح دكّان بأيام، شاركتُ المتطوعين الذين تكاتفت سواعدهم وخبراتهم وشغفهم في تصميم الرفوف وترتيب المكان. جزء كبير من المتطوعين يُعد الآن من الجيل الرابع للنكبة الفلسطينية، إلا أنهم يحملون ذاكرة وهوية الجيل الأول، فبين الحنين للماضي المسلوب، والواقع الحالي المفروض، تلمس فيهم حب للعطاء يَعيش فيهم، وكأنه مولود معهم، لأنهم أرادو أن يعيشوا حياتهم، وليس حياة أُريدت لهم كي يعيشوها.

ليست هذه المرة الأولى التي يكون فيها المجتمع الفلسطيني هو المانح، المجتمع الذي تتابعت عليه الإحتلالات بأشكال متنوعة وبلاعبين مُختلفين. مجتمع لم ينفكْ عن الحلم بالأرض التي سُلبت، وسُلب معها الحق في الحياة. مجتمع يَعرف أن للأرض حُلْمَها أيضاً، فبات بتحدي لكل الظلم والقهر الذي يُمارس عليه.

مع استضافه مركز خليل السكاكيني الثقافي لدكّان حتى نهاية شهر آب من نفس العام، تكون تَكلفة افتتاح الدكّان عالية نسبياً، ليس برأس المال الذي لم يتعدى عشرات الشواقل، بل بالعطاء والخبرات والأدوات التي منحها أبناء البلد، الذين من حقهم أن يكونوا شركاء في أي عملية تنموية تتعلق بهم، لا أن تُفرض عليهم.

لقد أحببت دكّان لكثرة الحب الذي وجدته فيه، فنحن "نملكْ فقط ما نمنحه."

أحلام سمارة- مديرة مكتب-  مؤسسة دالية المجتمعية
الصور في المقالة، بعدسة رشا صنصور.
للمزيد من الصور تفقدوا ألبومنا على صفحتنا في الفيسبوك عبر هذا الرابط